غياب الرؤساء، خاصة في العالم الثالث حيث يحكم الأشخاص وليست المؤسسات، مشكلة في حد ذاتها·
بوتفليقة غاب نفس المدة للعلاج في فرنسا فقامت الدنيا ولم تقعد، وكأن الرجل يحكم دولة كبرى ذات أبعاد وخطط إستراتيجية، ولا تمرّ ساعة أو يوم إلا وتناولت وسائل الإعلام آخر أخباره مذيّلة بتخمينات وتحليلات على مستقبل البلاد كلها·
واليوم الملك محمد السادس يغيب عن المملكة نفس الفترة أو تزيد يوما أو بعض يوم على اعتبار أنه في نزهة واسترخاء حسب التبرير الرسمي، تاركا وراءه فراغا كبيرا بالنظر إلى كونه دستوريا وقانونيا يملك ويحكم ويمضي حتى على إجازات الأعوان البسطاء للذهاب إلى عطلهم·
نفس وسائل الإعلام التي طبّلت ورقصت في مرض بوتفليقة هي نفسها الوسائل التي التزمت الصمت إزاء الغياب المبرر لمولانا السلطان· فهل إن الملك الشاب عوّد المغاربة على هذا النوع من السلوك تجاه الحكم، خاصة أنه تغيب مدة شهر ونصف شهر قبل ذلك ثم عاد، وكأن شيئا لم يكن وبراءة الأطفال في عينيه كما تقول الأغنية؟
لم يعرف المغاربة أبدا مثل هذا التقليد· فالراحل محمد الخامس مثلا كان قليل الترحال إلى الخارج وكثير المكوث بين رعيته، وإذا ما رحل أو ارتحل يتنقل القصر كله من الحارس والخادم إلى أمهر الطباخين! فما الذي يدفع خليفته مغادرة البلاد طوعا في شكل حرفة، قمقوم تطأطأ له الرؤوس وتدان له النفوس، وإن كان منع رسميا تقبيل اليد ''البوس''؟
قد يكون الملك المتواضع الذي جرب الحكم عهدتين بالحساب الجزائري غير راغب في عهدة ثالثة تكثر فيها أخطاؤه وبالتالي ذنوبه·
وهذا عكس التيار، لا سيما أن كل الجمهوريين والديمقراطيين وأصحاب التغيير وأصحاب البرامج الجبلية (من جيل) التي يريدون استكمالها يفعلون العكس ولا يغادرون الكرسي (وزيارة للخارج مثلا لسويعات) إلا وكان في قلوبهم وسواس وجس!
إذا صدقت هذه الفرضية، وحتى ولو قرأناها من باب زر غبا (أي غيابا) تزدد حبا، فإن ذلك سيشكل سابقة في الملكية العربية لكي تتحول إلى ملكية دستورية على الطريقة البريطانية عكس الحكم الجمهوري المرشح لكي يتحول إلى حكم وراثي بما فيها يرث نفسه في بلاد العرب، وليس في بلاد العجم قد تتجاوز سابقة حدثت مع الجنرال سوار الذهب في السودان الذي قاد انقلابا عسكريا قبل أن يعيد الحكم للمدنيين ثم يفتك منهم مرة أخرى· وبدرجة أقل مع جماعة لبنان الذين عاشوا في أمان في غياب رئيس مدة سبعة أشهر!