تدوير السلطة بدل تداولها•• إلى أين؟!
Jul 03,2008 فاروق أبو سراج الذهب
بعد أسبوع من تعيين السيد أحمد أويحيى رئيسا للحكومة للمرة الثالثة واستقالة أو إقالة أو إزاحة السيد بلخادم منها، نتساءل كما يتساءل أغلب المواطنين: لماذا تحدث مثل هكذا تعيينات بطريقة سريعة يلفها الكثير من الغموض والقراءات، وتطرح العديد من التساؤلات؟ وهل من فائدة ترجى من الإجابة على مثل هذه التساؤلات؟ هل يحتاج هذا الموضوع أن يُبحث وتعرف خلفياته، ثم هل تتوفر لدى أي مراقب لمثل هكذا مواضيع المعطيات اللازمة لفهم ما يحدث، أم أن من تكنولوجيا السياسة في الجزائر بطبيعتها المبدئية أن تترك الغموض يحيط بمثل هذه القرارات، فحتى المكلف لا يعرف ما هي الخلفية التي تقف وراء تعيينه، إلا أنه يقبل التكليف تحت مبرر الاستعداد الدائم لخدمة الوطن والدولة في أي وقت·
ومن جهة أخرى، لماذا تساهم السلطة الرابعة في إثارة الهالة الإعلامية على الحدث وكأن جديدا تنمويا سيتحقق على أرض الواقع، حيث صدرت الصحف الجزائرية صفحاتها الأولى بخبر تعيين أويحيى رئيسا للحكومة، وربط ذلك بأسباب تتعلق بالتنمية وبطئ المشاريع وفشل سابقه في معالجة آثار ارتفاع الأسعار والاحتجاجات، ويصور أويحيى على أنه المنقذ للبلاد من هذه الكوارث، وهو الذي عاصر كل كوارث البلاد، وورث عنه بلخادم أغلب الملفات العالقة، ولم تحل واحدة منها؟!
ينضاف إلى ذلك كله تساؤلات بعض المحللين، التي تستفهم حول لماذا عاد أويحيى لقيادة حكومة تفتقد إلى الانسجام معه، حيث تلاسن هو شخصيا مع بعض الوزراء؟ وكيف سيتم التعاطي مع القرارات السابقة التي اتخذها بلخادم، وهي قرارات كانت محل انتقادات كبيرة من طرف أويحيى؟
الحقيقة أن الصورة التي استقال بها أحمد أويحيى قبل سنة ونصف وخروجه من مبنى الدكتور سعدان ليست وليدة فشل في الأداء الحكومي أو سوء تسيير وتقدير للمصالح الاجتماعية للمواطن بعد التقييم طبعا، سيما عندما ارتبط الأمر بالمصالحة والفساد والأجور والدستور؟!
فالمراقبون في الجزائر يرون التعديل الحكومي الذي أجراه بوتفليقة آنذاك لم يتعلق أبدا بالأداء الآلي للجهاز بقدر ما تعلق باستحقاقات سياسية أهم وأولى، حيث تحدثت عدة مصادر، آنذاك، عن إشراف أويحيى على لقاءات لبحث البديل للرئيس، سيما بعد بقائه في مستشفى فال دوغراس شهرا كاملا، وهو الأمر الذي أدى إلى تغييره في أول فرصة، ولنفس الأسباب والخلفيات السياسية أُقــيل أو اُستبــدل بلخادم هذه المرة!
ففي الجزائر لا يغيَـر المسؤولون لأسباب تقنية أو اقتصادية أو أسباب تتعلق بنجاعة البرنامج الاقتصادي والاجتماعي، فهذا أمر لا يهم كثيرا عندنا، فهناك الكثير من الوزراء أثبتوا عجزا كبيرا في الأداء ولكنهم لا يزالوا يمارسوا مهامهم بشكل عادي وكأن شيئا لم يحدث، حتى لو مس ذلك بالمقدسات الوطنية كما حدث في وزارة التربية، أو تعلق الأمر بحياة المواطنين كما حدث في وزارة الصحة، أو تعلق الأمر بسيادة البطاطا في وزارة الفلاحة، أو تعلق الأمر بموت الشباب في البحار وكثرة الانتحار كما يحدث في وزارة التضامن، أو تعلق الأمر بمراهنة المدرب الوطني على التأهل للمشاركة في كأس إفريقيا، وقد كانت الجزائر تنافس على الكأس نفسها يحدث ذلك ومثله في وزارة الرياضة، والفضائح لاتنتهي في كل الوزارات والمديريات·
فالقضية، إذن، سياسية بحتة تتعلق باستحقاقات وطنية ودولية اقتضت وجود أويحيى على رأس الجهاز الحكومي، لكن ومن وجهة النظر السياسية دائما، ألا يمكن تحقيق هذه الإرادات دون المساس والإخلال بأبجديات العمل السياسي التي أصبحت تقليدا في الجزائر؟ لماذا يساهم البعض في تعميق تشويه صورة الأداء السياسي الجزائري الديمقراطي وفي الإمكان الاستئناس به ولو شكليا كما يقال؟أم أن منطق تدوير السلطة بدل تداولها هو المنطق الذي يبرر كل هذه الرداءة التي تقتل الأمل في نفوس المواطنين؟!
ألا يمكن للفاعل السياسي الذي يدير مثل هذه الملفات أن يحترم أولا الدستور الذي يقضي بضرورة وقوف رئيس الحكومة أمام البرلمان لقراءة بيان السياسة العامة، كان يمكن فعل ذلك مع أويحيى أولا ومع بلخادم ثانيا، فالأغلبية مضمونة في البرلمان سواء لأويحيى أو بلخادم؟ فلماذا يكرس هؤلاء الصورة السيئة للبرلمان وتعميق صورة ''غرفة تسجيل'' وبالإمكان إعطاء هذه المؤسسات قيمتها في سياق شامل للحياة السياسية المعطوبة للأسف في الجزائر؟!
لماذا يمتنع رئيس الحكومة السابق واللاحق، كلاهما، عن موافاة البرلمان والشعب بتقرير حصيلة يمكن المصادقة على أنها إيجابية بالأغلبية كما عهدنا البرلمان طبعا، وهذا الحد الأدنى الذي يمكن أن تؤديه هذه الهيئة؟!
ومن ناحية أخرى، كيف يغيب بروتوكول استقبال الرئيس لرئيس الحكومة وقبول استقالته ثم استقبال رئيس الحكومة الجديد من أجل تعيينه، هل استقبال سفير أهم ومقدم على استقبال رئيس حكومة، لا أدري لماذا ترسخ في الذهنية الشعبية الجزائرية صورة شكلية المؤسسات وعدم فعاليتها بل وضربها في عمق صلاحياتها الدستورية، ومن المستفيد من ذلك، لا شك أن لا أحد غيور على الوطن مستفيد؟!
لماذالا تمارس الشفافية مع هذا الشعب الذي تجده الدولة دائما حاميا لها و لثوابتها؟
يتحدثون عن أهمية المواعيد القادمة في أجندة الرئيس ويتكلمون عن إكراهات دولية تواجه الدولة، ويمكن تفهم مثل هذه الأهمية والإكراهات إذا ما أعلنت للمواطنين، فإذا كان هناك مواعيد سياسية قادمة الكل يعلمها، وأصبحت في حكم الواقع، فلماذا القفز على فهوم وعقول الناس؟
فالجميع يعلم أن الرئيس ينوي التجديد لنفسه لعهدة ثالثة سواء كان ذلك برغبة ذاتية منه أو من خلال طلبات التجديد التي تواترت عبر التلفزيون، والطريق إلى التجديد هو تعديل الدستور وفتح العهدات أو تحديدها بسبع سنوات· الجميع يعلم ذلك والوقت قد حان فلماذا التردد وإحاطة ماهو معلن لدى الجميع بالسرية والتكتم؟!
من جهة أخرى، يعلم الجميع أن إكراهات خارجية تتعلق بعضوية الجزائر في مشروع الاتحاد من أجل المتوسط إلى جانب الكيان الصهيوني، وهو ما يشكل لدى الرئيس تناقضا مع تصريحات سابقة بخصوص موضوع التطبيع مع الكيان الصهيوني، وهو الذي صافح باراك في المغرب في بداية العهدة الأولى، وإن كنت لا أعتقد أن الجزائر ستطبع مع إسرائيل بطريقة الدول العربية الأخرى·
نعلم جميعا أن ذلك فيه إحراج كبير للجزائر، كما نعلم في المقابل أن أحمد أويحيى صرح كأمين عام للتجمع يومين فقط قبيل تنحية بلخادم من رئاسة الحكومة أننا لسنا فلسطينيين أكثر من الفلسطينيين، وعبر عن استعداده لحضور هذا اللقاء كرئيس حكومة أو مفوض لدى الرئيس كما فعل الرئيس معه وهو أمين عام للتجمع حيث أرسله على رأس وفد هام في قمة إفريقيا الهند وبعض المؤتمرات الأخرى·
في الجزائر لا يوجد شيء يسمى ''سر''، فالتيار اللائكي قاد حملة إعلامية مركزة على بلخادم قبل شهر من تعيين أويحيى رئيسا للحكومة، حملة إعلامية تضمنت ملف التنصير، وقافلة فرسان القرآن، التطبيع والإشهار للاحتجاجات بل وتنظيم لجان تحقيق نزلت الى بعض الولايات للضغط، فهل تعيين أويحيى هو استجابة لمثل هذا الضغط وتخفيف منه في سبيل الحصول على عهدة ثالثة عادية وبدون صخب إعلامي أو سياسي؟
المدرك لطبيعة مخارج النظام السياسي الجزائري، يعرف جيدا آلية صناعة القرار فيه، كما يفهم الرسائل المشفرة من النظام إلى مختلف شرائح المجتمع· كل ذلك، يحدث في ظل بيات سياسي للطبقة السياسية التي أصبحت سلبية في التعامل مع الأحداث السياسية سواء كان سبب هذه السلبية هو طموحها في الاستحقاقات القادمة أو بسبب مشكلاتها الداخلية التي صارت مزمنة للأسف الشديد·
لست متشائما، اليوم في هذا المقال، فالتفاؤل طبع كل مقالاتي، ولكني صرت أدرك تماما حجم العمل المطلوب من حركات التغيير والإصلاح من أجل إحداث توازن سياسي يرقى بمستوى الحياة السياسية إلى آفاق صياغة آمال جديدة للمواطن المغبون الغارق في مشكلاته اليومية، ويترقب تحقيق الوعود المتعلقة بملف السكن والتشغيل ومعالجة ملف الشباب ولا سيما ملف الحرافة والبطالة، وتساهم هذه الطبقة السياسية والمثقفة في تغيير منطق تدوير السلطة بين العائلة الواحدة بحزبين إلى آلية التداول السلمي على السلطة بين كل الأطياف السياسية إذا حصلت على أصوات المواطنين، فكان من المنطقي جدا أن يعين رئيس حركة مجتمع السلم رئيسا للحكومة هذه المرة، فالحركة عضو أساسي في التحالف الرئاسي، على اعتبار أن رئيس الحكومة في الجزائر، لا يعين من الأغلبية البرلمانية كما جرت العادة في كل الأنظمة الديمقراطية الناشئة، فضلا عن العريقة في العالم، فكيف إذا حكم أويحيى في بداية العهدة الثانية وفي منتصفها حكم بلخادم، وفي نهايتها بدل أن تسلم إلى أبو جرة سلمت لأويحيى فماذا تفعل حمس في التحالف؟ وإذا كان التحالف بالنسبة لحمس إستراتيجية وفقرة من فقرات مخططات المشاركة السياسية التي تمليها المرحلية والواقعية والموضوعية، وهو مسار سياسي مرغوب، ألا يحتاج سقف المشاركة السياسية التي تنتهجها حمس إلى الارتفاع، حتى يلبي حاجات مشروع الإصلاح السياسي الذي تنشده حمس في وثائقها وعنونت به شعار مؤتمرها الرابع؟!
أعتقد أنه آن الأوان لكل الطبقة السياسية في الجزائر أو بقاياها أن تشترك في مشروع واحد عنوانه أولوية الإصلاح السياسي والتداول الحقيقي على السلطة بدل التدوير·
20 -
|
اخبار متعلقه بالموضوع
|
| لا يوجد أخبار لهذا الموضوع |
|
|