لم تكتف صحيفة نيويورك تايمز الأمريكية بتوفير منبر إعلامي دعائي لأمير الجماعة السلفية للدعوة والقتال عبد المالك دروكدال، وتشويه صورة الجزائر بجعلها مركز تدريب للجماعات الإرهابية، بل ذهبت إلى أبعد من ذلك، ففي عددها الصادر أمس ذكرت الصحيفة أن تنظيم ''القاعدة'' بدأ يستجمع قواه وينشئ مراكز للتدريب وتخطيط العمليات والتجنيد في ثلاث دول هي باكستان والصومال والجزائر كملاذ آمنة بديل بعد ئطرده من أفغانستان وهزيمته في العراق· وورد في التقرير الإخباري أن ما يسمى ''القاعدة في المغرب الإسلامي'' تقدم كثيرا في عملياته الإرهابية بما في ذلك التفجيرات الانتحارية بالشاحنات وقتل سياح أوروبيين، وذهبت الصحيفة إلى الإشارة إلى أن من سمتهم ''الجماعة القومية الإرهابية'' في الجزائر تحولت إلى منظمة تشكل تهديدا يتخطى حدود الدولة، وأن المسؤولين الأمريكيين يقدرون عدد أفرادها ما بين ثلاثمائة وأربعمائة عنصر منتشرين في الجبال شرقي الجزائر، إلى جانبئمائتين آخرين موزعين في مناطق أخرى من البلاد· وإذا كانت أمريكا التي تقول إن حماية الولايات المتحدة من الأخطار الإرهابية لا تبدأ من الأراضي الأميركية وإنما من منابع الإرهاب في آسيا وأفريقيا، عبر ''المنطق الاستباقي'' في الحروب، حيث عبرت في العديد من المرات عن رغبتها في إنشاء قاعدة عسكرية تكون منطلقا لمحاربة الإرهاب، وهي الرغبة التي رفضتها الجزائر بسبب عدم وجود عناصر القاعدة على أرضيها، بالإضافة الى اندحار الإرهاب وبقاء عناصر قليلة تقوم من حين لأخر بعمليات استعراضية بأهداف دعائية على الصعيد الخارجي أكثر من كونها تمثل خطرا حقيقيا على استقرار الدولة· كما أن مشروع المصالحة الوطنية الذي أقره الرئيس عبد العزيز بوتفليقة لم يترك أية حجة لأمريكا، أو غيرها من الجهات الأجنبية، لأن تضع قاعدة عسكرية بسبب وضع الآلاف من الإرهابيين لسلاحهم واندماجهم من جديد في المجتمع· لكن السؤال المطروح لماذا اختارت الصحيفة الأمريكية هذا الوقت بالذات لتنشر حوارها مع أمير الجماعة السلفية في الجزائر وتقدمه في صورة الخطر الداهم الذي قضى على الجزائر ويهدد بالقضاء على أمريكا والعالم بأسره!؟
دروكدال وأمريكا أكبر المستفيدين
يرى المراقبون أن الإرهابي عبد المالك دروكدال الأمير الوطني للجماعة السلفية للدعوة والقتال سيكون من أكبر المستفيدين من تضخيم الحقائق بجعله الذراع الذي لا يمكن أن يستغنى عنه تنظيم القاعدة بزعامة أسامة بن لادن، وذلك لفشل أمير الإرهابيين بالجزائر من كسب تأييد منتسبي القاعدة عبر أنحاء العالم، لإدراكهم أنه لا يوجد شيئ اسمه ''الجهاد'' فوق الأراضي الجزائرية اعتمادا على فتوى العلماء، حتى الذين عرفوا بمواقف مؤيدة لحملة السلاح في بلاد العالم الإسلامي، الأمر الذي أضعف دروكدال وجعله يبحث عن حيلة يتحصل من خلالها على مباركة أسامة بن لادن، وهي عن طريق جلب الأمريكان إلى الجزائر، وبذلك تصبح الجزائر قبلة للمتطوعين لمحاربة الأمريكان، وهو مادفعه إلى التهديد بضرب مصالح أمريكا· ومن جهتهم وجد الأمركيون في تزايد نشاط تنظيم القاعدة في منطقة شرق أفريقيا منذ عهد الرئيس كلينتون مُبرراً لتكثيف الاهتمام العسكري بالقارة، خصوصاً بعد ضربتي السفارتين في كينيا وتنزانيا، ويعتقد الخبراء الأمركيون أن الخطر مستمر، بل يتفاقم مع انتشار الفوضى في الصومال، وتعفن الحرب في إقليم دارفور، وتصاعد الخلافات بين دول المنطقة، غير أن انتشار القاعدة في شمال أفريقيا في السنوات الأخيرة بدءاً من تبني الهجوم الانتحاري الذي استهدف كنيس الغريبة في جزيرة جربة التونسية في أفريل من سنة 2002 وأسفر عن مقتل 22 شخصاً بينهم 14سائحاً ألمانيا، وانتهاء بالهجوم على السفارة الإسرائيلية في نواكشوط في وقت سابق من هذا العام، دفع الأمركيين للانتقال إلى مرحلة أعلى من التنسيق العسكري والأمني مع حكومات المنطقة ، وتجلى ذلك شرقاً في توسيع القاعدة التي يملكونها في جيبوتي والتي تضم 1800جندي وضابط ونشر قطع بحرية وجوية حول حاملة الطائرات ''إيزنهاور'' في عرض الصومال، وهي عبارة عن قاعدة عائمة، أما غرباً وشمالاً فمن خلال جولتين منفصلتين قام بهما كل من وزير الدفاع السابق دونالد رامسفيلد، ورئيس مكتب التحقيقات الفيدرالي في المنطقة، واللتين تلتهما مطالبة ملحة لحكومات الساحل الافريقي بقبول استضافة مقر أفريكوم، الأمر الذي رفضته الجزائر، فيما اختارت العواصم الأخرى إحاطة الملف بالتكتم·
كما أن إعلان انضمام الجماعة السلفية للدعوة والقتال إلى تنظيم القاعدة حسم التجاذب بين الدول المطلة على الصحراء الكبرى والولايات المتحدة حول إرساء شراكة عسكرية وثيقة جسدتها المناورات السنوية المشتركة، وإرساء الشراكة العابرة للصحراء لمكافحة الإرهاب والتي عقدت ندوتها الثالثة في دكار في سنة 2007بمشاركة كل من المغرب والجزائر وتونس وموريتانيا والنيجر ومالي وتشاد والسنغال ونيجيريا، بإشراف الجنرال وارد الذي كان آنذاك مساعداً لقائد القوات الأميركية في أوروبا· وعزت مصادر أميركية إشراك نيجيريا على رغم بعدها عن الصحراء إلى تنامي التيارات الإسلامية فيها على خلفية التنوع الإثني والديني الذي يميزها··
أوروبا تعارض
غير أن مراكز صنع القرار الأوروبية تشعر بضيق شديد من العلاقة الثنائية المتنامية الأمريكية - الأفريقية وترى فيها إزاحة عسكرية لنفوذها من القارة، وهي تتهم الأمركيين في أكثر من مناسبة بكونهم يُضخمون خطر القاعدة لتبرير تدخلهم في أفريقيا,